احمد احمد بدوي

63

من بلاغة القرآن

أي آخرا انقطع الكلام عندها ، وإذا نظرنا إلى حكمة أسرار الفصاحة في القرآن الكريم ، غصنا في بحر عميق لا قرار له ، فمن ذلك هذه الآية المشار إليها ، فإنها قد تضمنت خمسة ألفاظ ، هي : الطوفان ، والجراد ، والقمل ، والضفادع ، والدم ، وأحسن هذه الألفاظ الخمسة هي : الطوفان ، والجراد ، والدم ، فلما وردت هذه الألفاظ الخمسة بجملتها قدم منها لفظتا الطوفان ، والجراد ، وأخرت لفظة الدم آخرا ، وجعلت لفظة القمل والضفادع في الوسط ؛ ليطرق السمع أولا الحسن من الألفاظ الخمسة ، وينتهى إليه آخرا ، ثم إن لفظة الدم أحسن من لفظتي الطوفان ، والجراد ، وأخف في الاستعمال ، ومن أجل ذلك جئ بها آخرا ، ومراعاة مثل هذه الأسرار والدقائق في استعمال الألفاظ ليس من القدرة البشرية « 1 » . وقال ابن سنان الخفاجي ، معلقا على قول الشريف الرضى : أعزز علىّ بأن أراك وقد خلت * عن جانبيك مقاعد العواد إيراد مقاعد في هذا البيت صحيح ، إلا أنه موافق لما يكره في هذا الشأن ، لا سيما وقد أضافه إلى من يحتمل إضافته إليهم ، وهم العواد ، ولو انفرد ، كان الأمر فيه سهلا ، فأما إضافته إلى ما ذكره ففيها قبح لا خفاء به « 2 » . وابن سنان يشترط لفصاحة الكلمة ألا يكون قد عبر بها عن أمر آخر يكره ذكره « 3 » ، قال ابن الأثير : وقد جاءت هذه اللفظة المعيبة في الشعر في القرآن الكريم فجاءت حسنة مرضية ، وهي قوله تعالى : وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوِّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقاعِدَ لِلْقِتالِ ( آل عمران 121 ) . وكذلك قوله تعالى : وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّماءَ فَوَجَدْناها مُلِئَتْ حَرَساً شَدِيداً وَشُهُباً ( 8 ) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْها مَقاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهاباً رَصَداً ( 9 ) ( الجن 8 ، 9 ) . ألا ترى أنها في هاتين الآيتين غير مضافة إلى من تقبح إضافته إليه ، كما جاءت في الشعر ، ولو قال الشاعر بدلا من مقاعد العواد ، مقاعد الزيادة ، أو ما جرى مجراه ، لذهب ذلك القبح ، وزالت تلك الهجنة ، ولذا جاءت هذه اللفظة في الآيتين على ما تراه من الحسن ، وجاءت على ما تراه من القبح ، في قول الشريف الرضى « 4 » . ومن ذلك استخدام كلمة شئ ، ترجع إليها في القرآن الكريم ، فترى جمالها في مكانها المقسوم لها . واستمع إلى قوله تعالى : وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً ( الكهف 45 ) . وقوله تعالى : أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ ( الطّور 35 ) . وقوله

--> ( 1 ) المرجع السابق نفسه . ( 2 ) سر الفصاحة : ص 79 . ( 3 ) المرجع السابق : ص 78 . ( 4 ) المثل السائر : ص 71 .